في أغسطس 1973 وبينما كان الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات يزور السعودية أمال رأسه نحو صديقه الملك فيصل بن عبد العزيز لطلب اجتماع سري، وبالفعل حصل على مبتغاه، وفي الاجتماع طلب السادات طلباً لم ينجح فيه أحد من قبل: قطع البترول العربي عن الغرب.
لم يكن هذا الاجتماع سرياً للغاية حسبما ظن السادات، أو ربما أراد هو نفسه وصول أخباره للغرب لأغراض جس النبض (*)، فما كان من وزير الخارجية الأميركي حينها ويليام روجرز إلا أن استخف بالأمر وقال مقولته الشهيرة: "العرب لا يستطيعون شرب نفطهم، هم مُجبرون على بيعه لنا لنيل المال.. كفى كلاماً فارغاً"، لكن ما لم يضعه روجرز في الحسبان أن التهديد "كان في المليان" وتحول بعدها بشهرين فقط إلى حقيقة اقتصادية وعسكرية مؤلمة.
ما أشبه اليوم بالأمس، فجميع التحليلات العسكرية والسياسية والاجتماعية قبل اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي قالت إن "إغلاق طهران لمضيق هرمز سيكون مؤلماً مالياً للغاية أيضاً لطهران" وإنه سيكون "انتحاراً وتدميراً اقتصادياً ذاتياً لها، خاصة لو طال الإغلاق أكثر من شهر"، حسب وصف صحيفة "الغارديان" البريطانية.. فما بالك بـ111 يوماً كاملة؟.
ما حدث بعد ذلك أصبح جزءاً من الماضي.. لكن أثره سيظل حاضراً لسنوات طويلة في أذهان دول الخليج، التي أزاحت الحرب غشاوة واطمئناناً لاستدامة حسابات سوق الطاقة عن عيونها.
وربما تكون الخدمة الأعظم التي قدمتها الحرب لدول الخليج -ورغم الألم الاقتصادي والعسكري الذي حل بها- هي أنها علمت المنطقة 6 دروس قد تغير حسابات قطاع النفط والغاز للأبد:
1) إيران تعلمت قواعد اللعبة في هرمز: تستطيع إيران إغلاق مضيق هرمز من أول يوم في أي حرب، ودون تردد، وهكذا بكل بساطة، حتى لو أذت اقتصادها، وتحملت ما لا يُحتمل في سبيل تحقيق أهدافها العسكرية على الأرض. نعم، ربما سيتخذ العالم إجراءات أكثر لتأمين المضيق مستقبلاً، أو يستثمر أكثر في كاسحات الألغام والمسيرات الرخيصة التي استطاعت استهداف السفن من الجو دون تكلفة تذكر.. لكن كل هذا لا يمنع أن من أغلق المضيق الذي يمر عبره خُمس طاقة العالم مرة بوسعه إغلاقه عشرات المرات.. لأنه ببساطة "عرف قواعد اللعبة".
هذه الحرب ستعلم دول الخليج والعراق أيضاً أهمية تخزين النفط في مناطق بعيدة عن الخليج تحسباً لاشتعال جولة جديدة من الصراع، سواء كان ذلك في مخازن عائمة على متن الناقلات القديمة، أو في دول آسيوية لا تطالها ألسنة الصراعات العسكرية المتكررة مثل الهند واليابان، وكوريا الجنوبية التي عززت فيها السعودية مخازنها خلال الحرب، بحيث تُرسل منها الشحنات سريعاً للمتعاقدين إذا حُبست إمدادات الطاقة مجدداً داخل الخليج، وبالتالي يستمر تدفق أموال النفط دون انقطاع. وهو الأمر الذي تنبهت له شركة "أرامكو" ودفعها للإعلان بعد ساعات من توقيع اتفاق السلام المؤقت أنها تنوي إنشاء مرافق تخزين جديدة حول العالم.
على الجانب الآخر، كشفت الحرب أن إيران نفسها سبقت إلى هذا المسار منذ سنوات، عبر تخزين كميات ضخمة من النفط عائماً خارج هرمز، ليس فقط تحسباً للحروب وإنما أيضاً للالتفاف على العقوبات الغربية، وهو ما منحها هامشاً أكبر للمناورة مُقارنةً بما كان يُعتَقد.
2) فائض سوق النفط ليس أمراً سيئاً خاصة في الأزمات: حتى 26 يناير 2026، أي قبل الحرب بشهر ويومين كانت وكالة الطاقة الدولية تُحذر من أن سوق النفط "متخمة بالإمدادات"، وتقدر أنه سيكون هناك فائض يفوق 4 ملايين يومياً في السوق خلال النصف الأول من 2026، وبمتوسط يزيد عن 3.7 مليون براميل على مدار العام بأكمله.
ولم تبتعد إدارة معلومات الطاقة الأميركية كثيراً عن هذا التقدير، إذ توقعت حينها أن يتجاوز العرض الطلب بأكثر من 2.8 مليون برميل يومياً هذا العام، مع بلوغ الفائض ذروته فوق 3.5 ملايين برميل يومياً خلال الربع الحالي.
الوحيدة التي سبحت عكس التيار كانت منظمة "أوبك" التي رأت سوقاً أقرب بكثير إلى التوازن في 2026، مع تجاوز العرض للطلب بنحو 600 ألف برميل يومياً في المتوسط هذا العام.
لكن المفارقة أن فائض المعروض نفسه، الذي كان يُنظر إليه قبل الحرب باعتباره عبئاً على الأسعار، تحول إلى صمام أمان للأسواق. فالدول المستوردة، وعلى رأسها الصين، كانت قد استغلت التخمة لبناء مخزونات ضخمة قبل اندلاع الحرب، وهو ما ساعد لاحقاً في منع الأسعار من الانفجار نحو مستويات 200 دولار للبرميل كما كانت تتوقع بعض السيناريوهات المتشائمة، بعدما هبط إنتاج دول "أوبك" إلى أدنى مستوى في 4 عقود وسط الحرب.
3) مخزونات الطاقة يمكن أن تنفد أسرع مما نتخيل: كانت حرب 1973 أول من نبهت العالم إلى أهمية مخزونات النفط، وأدت إلى إنشاء الولايات المتحدة للاحتياطي النفطي الاستراتيجي (Strategic Petroleum Reserve - SPR) في 22 ديسمبر 1975 وتبعتها عدة دول بداية من الصين التي خزنت هي الأخرى ما يزيد عن 1.4 مليار برميل نفط، واليابان التي بلغت مخزوناتها قبل الحرب 470 مليون برميل، كما اتخذت الدول الغربية وحتى العربية خطوات مشابهة لكن بأحجام أقل كثيراً من ذلك.
لكن مع كل هذا لم تصمد هذه البراميل بالقدر الذي نتخيله أمام حبس خُمس طاقة العالم في الخليج لأكثر من 100 يوم، واضطرت وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس الماضي بالتنسيق مع دولها الـ32 إلى القيام بأكبر إفراج مشترك عن المخزونات في التاريخ بحجم 400 مليون برميل على مدار 3 أشهر، وتحمل العبء الأكبر من هذا الإفراج الولايات المتحدة (172 مليون برميل)، واليابان (80 مليون برميل)، وكندا (23.6 مليون برميل) وأسهمت أستراليا والدول الأوروبية بالباقي.
إلى جانب خطة الـ400 مليون برميل المنسقة، تحركت بعض الدول الكبرى بشكل منفرد وضخت كميات إضافية لحماية أسواقها المحلية، حيث أطلقت الولايات المتحدة 10 ملايين برميل إضافية ضمن عملية "تبادل طوارئ منفردة"، ونظراً لأن الصين ليست عضواً كاملاً في الوكالة فقد تحركت هي الأخرى بشكل أحادي وأصبحت تمد المصافي الحكومية والمستقلة على حد سواء بالإمدادات وطلبت منها "العمل بأي ثمن" تحت ظروف الحرب، حتى الدول النامية والجزيرية مثل فيجي استنفدت هي الأخرى الجزء الأكبر من مخزوناتها للتصدي للأزمة.
هذا الاستنزاف التاريخي غير المسبوق جعل المخزونات الاستراتيجية العالمية -خاصة الأميركية- تهبط لأدنى مستوياتها منذ عام 2003. وظهرت علامات الضعف على الحكومات -خاصة الآسيوية- وأدت لإغلاق بعضها على ما تملك من إمدادات أمام طلب جيرانها بإرسالها لهم مثلما حدث في حالة اليابان، وحتى الصين نفسها اضطرت للسحب من مخزوناتها النفطية التجارية لمواجهة صدمة الخليج.